اسماعيل بن محمد القونوي
15
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
المعروف والمكروه اللازمين لمعنييهما ) الظاهر من كلامه أنه مجاز مرسل والعلاقة اللزوم لكن وجه اللزوم السببية والترك ههنا ليس حاصلا بالانقباض فلفظ السبب إنما هو يطلق على مسببه الحاصل منه كاطلاق المطر على النبات الحاصل منه وإن جوز اطلاقه على جنس المسبب كما ذهب إليه البعض كاطلاق المطر على جنس النبات سواء حصل بالمطر أو غيره من مياه الآبار مثلا فيجوز اطلاق الحياء هنا على جنس الترك وإن لم يكن ذلك الترك حاصلا بالانقباض فالوجه ما أشار إليه سابقا من قوله ترك من يستحيي من كونه استعارة تبعية « 1 » أو تمثيلية كما هو الظاهر شبه تركه ضرب المثل أو تخييب العبد وأنه لا الممكنات ولو سلب عنه الحياء مطلقا لتوجه ما ذكر كقولك لا يحول ولا يزول وأما ههنا فقال لا يستحيي أن يضرب وقال صاحب الانصاف في كلام الزمخشري في الكشاف ما يدل على التأويل إنما يحتاج إليه في الخبر لا في الآية فقف عليه تم كلامه . قوله : وكأنه أراد بذلك قوله كيف جاز وصف القديم به وقوله وذلك في حديث سلمان رضي اللّه عنه فإن وصفه تعالى بالحياء إنما هو في الحديث وأما الآية ففيها سلب الحياء وقال الطيبي يرد قول صاحب الإنصاف إثبات الترك في تأويل الحديث بقوله مثل تركه ونفي الترك في تأويل الآية بقوله لا يترك ضرب المثل وقال بعض الأفاضل من شراح الكشاف قوله هو في قوله هو جار على سبيل التمثيل إن كان عائدا إلى قوله وصف القديم به فما قاله العراقي يعني به صاحب الإنصاف واضح ثم إن الزمخشري لما رأى أن السلب عن مخصوص وهو يقتضي تصوير الملكة استطرد بذكر تأويل الآية وإن عاد إلى قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا [ البقرة : 26 ] كان تأويل الآية مقصودا أصليا وتأويل الحديث مستطردا وكان الأنسب تأخيره عن تأويل الآية فلعل قول صاحب الانصاف أوجه وقال بعضهم ما حاصله أن قوله : لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا [ البقرة : 26 ] إما أن يكون سلبا محضا أو عدم ملكة والأول لا يحتاج إلى تأويل كما إذا قيل ليس بجسم ولا عرض والثاني يحتاج إليه ولكنه منقوض بمثل قوله تعالى : لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ [ البقرة : 255 ] وقوله : مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ [ المؤمنون : 91 ] فإن ذلك سلب عن مخصوص ولا يحتاج إلى تأويل وأجاب بجوابين أحدهما أن نفي الحياء وصف مذمة فإنه يقال للخائض فيما لا ينبغي لا حياء له ويقال إذا لم تستح فاصنع ما شئت ولا يكون وصف مذمة إلا إذا كان عدم الحياء عما من شأنه الحياء فإن سلب الحياء عما لا يصح له الحياء لا يكون ذما قطعا أما إذا كان من شأنه الحياء كان الحياء كمالا له فنفي الحياء عنه سلب كمال فيكون مذمة والثاني لما كان نفي الحياء وصف مذمة فلو كان سلبا محضا لا يصدق على اللّه تعالى وإيجاب الحياء غير صادق عليه لزم ارتفاع النقيضين فقد بان أن الحياء لا ينفي في العرف عن شيء إلا ومن شأنه الحياء فلهذا احتاج نفي الحياء عنه تعالى في الآية إلى التأويل كما احتاج إليه إثباته له تعالى في الحديث بخلاف السلوب فيما ذكر لأن تلك السلوب ليست صفات مذمة في العرف كسلب الحياء
--> ( 1 ) لكن أشكل بأن الترك ليس معنى حقيقيا للاستحياء فكيف يكون استعارة تبعية أو تمثيلية اللهم إلا أن يصار إلى معنى ما ذكر في التلويح من أنه قد يقام الغرض من المعنى الحقيقي مقامه ويجعل كأنه الموضوع له وحاصله أن التجوز من المجاز جائز وإن أنكره بعضهم .